محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
129
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
الذين يناط بهم الإدراك الواضح لمعنى التنزيه . أما العوام فهم في العادة لا يستطيعون بلوغ هذه الغاية . وقد ساق صاحب كتاب المباني ثمانية أوجه لبيان الحكمة في متشابه القرآن ، وسنذكر هذه الأوجه هنا بإيجاز . 1 - إن اللّه احتج على العرب بالقرآن ، إذ كان فخرهم ورياستهم بالبلاغة ، وحسن البيان والاختصار والإطناب . وكان كلامهم على ضربين : أحدهما : الواضح الموجز الذي لا يخفى على صاحبه ، ولا يحتمل غير ظاهره . والآخر على المجاز والكنايات ، والإشارات والتلويحات وهذا الضرب هو المستحلى عندهم ، الغريب من ألفاظهم ، البديع في كلامهم . فلما قرعهم اللّه سبحانه فعجزهم عن المعارضة بمثل سوره أو سورة منه أنزله على الضربين ليصح العجز منهم وتتأكد الحجج ولزومها إياهم ، فكأنه قال : عارضوا محمدا في أي الضربين شئتم ، في الواضح أو في المشكل . ولم يقدروا عليه . ولو أنزله كله واضحا محكما بحيث لا يخفى على أحد سمعه منه لوجد المشركون مقالا ، وقالوا : ما باله لم ينزله بالضرب المستحسن عندنا ، والمستحلى في طباعنا ؟ لأن ما وقع فيه الإشارة والكناية والتشبيه والتعريض كان أفصح وأعرب . ثم يؤيد بعد ذلك رأيه هذا بأبيات من الشعر فيها الاستعارات والمجاز والكناية ويطبق بعض هذه المفهومات البلاغية على آيات من القرآن . 2 - في الآيات المتشابهة اختبار لموقف المؤمن الذي يتقبل ما جاء بهذه الآيات ويردها إلى عالمها في حالة العجز عن إدراك معناها ، في حين أن المنافق يتخذ من المتشابه سبيلا إلى بث عقائده الفاسدة ، عن طريق التأويل السيّئ . 3 - في المتشابه حث للعلماء على التدبر والتأمل وهؤلاء ينهضون بالتأويل ، وينتفع العامة بعلمهم ، ولو كان كله واضحا محكما لاستوى فيه العالم والجاهل . 4 - في المتشابه من الآيات تدريب لعلماء الأمة على التدبر والتأمل ، واستدعاء لهم لمداومة التفكر .